الشوكاني

226

فتح القدير

من دون الناس ) المراد بالذين هادوا الذين تهودوا ، وذلك أن اليهود ادعوا الفضيلة على الناس ، وأنهم أولياء الله من دون الناس ، كما في قولهم - نحن أبناء الله وأحباؤه - وقولهم - لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى - فأمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم لما ادعوا هذه الدعوى الباطلة ( فتمنوا الموت ) لتصيروا إلى ما تصيرون إليه من الكرامة في زعمكم ( إن كنتم صادقين ) في هذا الزعم ، فإن من علم أنه من أهل الجنة أحب الخلوص من هذه الدار . قرأ الجمهور " فتمنوا " بضم الواو ، وقرأ ابن السميفع بفتحها تخفيفا ، وحكى الكسائي إبدال الواو همزة . ثم أخبر الله سبحانه أنهم لا يفعلون ذلك أبدا بسبب ذنوبهم فقال ( ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم ) أي بسبب ما عملوا من الكفر والمعاصي والتحريف والتبديل ( والله عليم بالظالمين ) يعني على العموم ، وهؤلاء اليهود داخلون فيهم دخولا أوليا . ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم بأن الفرار من الموت لا ينجيهم وأنه نازل بهم فقال ( قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ) لا محالة ونازل بكم بلا شك ، والفاء في قوله " فإنه " داخلة لتضمن الاسم معنى الشرط ، وقال الزجاج : لا يقال إن زيدا فمنطلق ، وها هنا قال : فإنه ملاقيكم لما في معنى الذي من الشرط والجزاء : أي إن فررتم منه فإنه ملاقيكم ، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه ، وقيل إنها مزيدة ، وقيل إن الكلام قد تم عند قوله " تفرون منه " ثم ابتدأ فقال " فإنه ملاقيكم " ( ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ) وذلك يوم القيامة ( فينبئكم بما كنتم تعملون ) من الأعمال القبيحة ويجازيكم عليها . وقد أخرج ابن المنذر والحاكم والبيهقي في الشعب عن عطاء بن السائب عن ميسرة أن هذه الآية مكتوبة في التوراة بسبعمائة آية ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم ) أول سورة الجمعة . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " وأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة قال " كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين نزلت سورة الجمعة فتلاها ، فلما بلغ ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) قال له رجل : يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا ؟ فوضع يده على سلمان الفارسي وقال : والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء " . وأخرجه أيضا مسلم من حديثه مرفوعا بلفظ " لو كان الإيمان عند الثريا لذهب به رجال من فارس ، أو قال من أبناء فارس " . وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " لو كان الإيمان بالثريا لناله ناس من أهل فارس " . وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن في أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالا ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب ، ثم قرأ ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ) " . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) قال : الدين . وأخرج عبد ابن حميد من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ) قال : اليهود . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( أسفارا ) قال : كتبا . سورة الجمعة ( 9 - 11 )